السيد عبد الأعلى السبزواري

244

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

ممّا داهمها من خيبة الرجاء ، فليس الغرض هو الإخبار فقط . وإنما أنّث الضمير في قوله تعالى : إِنِّي وَضَعْتُها ، باعتبار الواقع الخارجي ، وفيه من الخيبة وانقطاع الأمل والمسارعة إلى إظهار التحسّر ما لا يخفى . قوله تعالى : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ . الجملة معترضة مقولة له عزّ وجلّ : و ( ما ) ترجع إلى المولود الذي جهلت الام السرّ الإلهي فيه ، والمراد من الجملة تعظيم شأن المولود ، أي : أن اللّه تعالى هو الذي خلقها وصوّرها ، وهو أعلم بها بما تحمل من الأسرار وعظائم الأمور ، التي ربما لا تكون تلك ممكنة في المولود الذكر التي كانت ترجوه ، والام غافلة عن جميع ذلك ، فلو كانت عالمة بذلك لما أظهرت التحزّن والتحسّر في وضعها أنثى . وقيل : إن الجملة مقولة قولها ، وإنما قالتها اعتذارا إلى اللّه تعالى ممّا كانت ترجوه في المولود الذي لا يصلح لذلك الغرض . ولكن الاحتمال الأوّل أولى ، وقد وردت فيه رواية أيضا . قوله تعالى : وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى . جملة معترضة أخرى ، لبيان ما اشتملت الجملة السابقة على علمه بالمولود . واللام في الذكر والأنثى للعهد ، أي ذلك الذكر الذي كانت امرأة عمران ترجوه وتتمنّاه ، لأن يكون خادم البيت الشريف ورسولا ، ليس مثل الأنثى التي وضعتها التي لا تقدر أن تقوم بما وقع النذر المحرّر لأجله ، فالجملة من قول اللّه تعالى أيضا ، أي : ليس الذكر الذي كانت تتمنّاه مثل الأنثى التي فيها سرّ إلهي يظهر بعد ذلك ، فإنها خير من الذكر . وقيل : إن الجملة مقولة قولها . ولكن يردّ عليه : أنه لو كان الأمر كذلك لكان الأنسب أن تقول : « وليس الأنثى كالذكر » ، كما هو واضح . قوله تعالى : وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ . عطف على إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى ، وما بين الجملتين اعتراضية كما عرفت